يزيد بن محمد الأزدي

133

تاريخ الموصل

ثم دخلت سنة ست وسبعين وفيها خرج صالح بن مسرّح بأرض الموصل والجزيرة : كان صالح بن مسرح التميمي رجلا ناسكا ، مصفر الوجه صاحب عبادة ، وكان بدارا وأرض الموصل والجزيرة ، وله أصحاب يقرأ بهم القرآن والفقه ويقص عليهم ، فدعاهم إلى الخروج وإنكار الظلم وجهاد المخالفين لهم ، فأجابوه وحثهم عليهم ، فراسل أصحابه بذلك وتلاقوا به ، فبينا هم في ذلك إذ قدم عليه كتاب شبيب يقول له : إنك كنت تريد الخروج ، فإن كان ذلك من شأنك اليوم فأنت شيخ المسلمين ، ولن نعدل بك أحدا ، وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمني ؛ فإن الآجال غادية ورائحة ، ولا آمن أن تخترمنى المنية ولم أجاهد الظالمين ، فكتب إليه صالح : إنه لم يمنعني من الخروج إلا انتظارك ، فأقبل إلينا ، فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه ، ولا تقضى دونه الأمور ، فلما قرأ شبيب كتابه ، دعا نفرا من أصحابه منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نعيم الشيباني ، والمحلل بن وائل اليشكري وغيرهما ، وخرج بهم حتى قدم على صالح بدارا ، فلما لقيه قال : اخرج بنا رحمك الله ؛ فوالله ما تزداد السنة إلا دروسا ، ولا يزداد المجرمون إلا طغيانا ؛ فبث صالح رسله وواعد أصحابه الخروج إلى ذلك هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست وسبعين ، فاجتمعوا عنده تلك الليلة ، فسأله بعضهم عن القتال قبل الدعاء أم بعده ؟ فقال : بل ندعوهم ؛ فإنه أقطع لحجتهم ، فقال له : كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به ، ما تقول في دمائهم وأموالهم ؟ فقال لهم : إن قتلنا وغنمنا فلنا ، وإن عفونا فموسع علينا . ثم وعظ أصحابه ، وأمرهم بأمره وقال لهم : إن أكثركم رجالة ، وهذه دواب لمحمد بن مروان ، فابدءوا بها ، فاحملوا عليها رجالكم ، وتقووا بها على عدوكم ، فخرجوا تلك الليلة ، فأخذوا الدواب فاحتملوا عليها ، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة ، وتحصن منهم أهلها وأهل نصيبين وسنجار ، وكان خروجه وهو في مائة وعشرين ، وقيل : وعشرة ، وبلغ محمدا مخرجهم وهو أمير الجزيرة ، فأرسل عدى بن عدي الكندي إليهم في ألف فارس ، فسار من حران فنزل دوغان ، وكانوا أول جيش سار إلى صالح . وسار عدى وكأنه يساق إلى الموت ، وأرسل إلى صالح يسأله أن يخرج من هذه البلاد ، ويعلمه أنه يكره قتاله ، وكان عدى ناسكا ، فأعاد صالح : إن كنت ترى رأينا خرجنا عنك ، وإلا فنرى رأينا ، فأرسل إليه عدى : إني لا أرى رأيك ، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك ، فقال صالح لأصحابه : اركبوا ، فركبوا وحبس الرسول عنده ، ومضى بأصحابه ، فأتى عديا وهو يصلى الضحى ، فلم يشعروا إلا والخيل طالعة عليهم ، فلما رأوها تنادوا ،